الجمعة 20 شعبان / 26 أبريل 2019
07:12 م بتوقيت الدوحة

البقرة العرجاء

213314
البقرة العرجاء
البقرة العرجاء
في مكانٍ ما في هذه الدنيا استيقظ المزارع مبكراً كعادته ودخل إلى حظيرة البقر ليطمئن على مصدر رزقه، كل بقرة بخير إلا واحدة يبدو عليها أنها تعرج، عاد المزارع إلى كوخه مهموماً، سأله ولده عن الأمر فأخبره عن البقرة العرجاء، قال له الولد «لا عليك يا أبتاه الحل عندي» رد الوالد «يا بني، هذه الأبقار مصدر رزقنا ولن أتركك تعبث بها» اتصل المزارع بصديق له يستشيره فأخبره عن أشهر مزارع الأبقار في العالم وأنه بإمكانه استقدام خبير من أحدها ليساعده، أرسل المزارع في طلب الخبير، أسرع الخبير في الحضور حاملاً حقيبته الدبلوماسية بيد وفاتورة أتعابه باليد الأخرى، دخل الحظيرة ليعاين البقرة وبعد ساعات طوال خرج على المزارع وقال «في مزرعتنا العظيمة نرش المبيد الحشري في الحظيرة يومياً وأبقارنا لا تعرج فلماذا لا تجرب ذلك؟» أسرع المزارع واشترى مبيداً حشرياً ورشه تحت إشراف الخبير في الحظيرة. في الصباح التالي ذهب المزارع ليتفقد الحظيرة فوجد أن اثنتين من أبقاره ماتتا اختناقاً خلال الليل، والبقرة العرجاء على حالها، استدعى الخبير فجاء بحقيبته وفاتورته ودخل إلى الحظيرة، بعد ساعات خرج وقال للمزارع «أبقارك لم تكن متعودة على المبيد لذلك ماتت، وهذه غلطتك، في مزرعتنا العظيمة نقوم يومياً بوضع أدوية للأبقار في طعامها لتقاوم المبيد، لماذا لا تجرب ذلك؟» خرج المزارع مسرعاً واشترى المبيد والأدوية وتحت إشراف الخبير وضع الأدوية في الطعام ورش المبيد في الحظيرة، في الصباح التالي دخل الحظيرة ليجد بقرتين ميتتين اختناقاً وأخريين ميتتين بسبب التسمم من الأدوية، والبقرة العرجاء ما زالت تعرج، استدعى الخبير، جاء على عجل حتى أنه نسي حقيبته هذه المرة ولكنه طبعاً لم ينس الفاتورة، دخل الحظيرة، عاين جثث الضحايا وبعد ساعات خرج للمزارع قائلاً «أبقارك لم تتعود على أدويتنا المتطورة ولذلك ماتت وهذا طبعاً خطؤك، في مزرعتنا لدينا 10 خبراء وأبقارنا لا تعرج، لماذا لا تجرب ذلك؟».
خرج المزارع مسرعاً واتصل بالمزارع الكبرى طالباً الخبراء وجاؤوا مسرعين بعضهم بحقائب وبعضهم بأجهزة آي باد وفاتورة واحدة طويلة، دخل الخبراء للحظيرة وتأملوا الأبقار الميت منها والحي، وبعد أيام تخللها بيع المزارع لكل ما يملك ليتمكن من دفع فواتير الخبراء وإطعامهم وتوفير المسكن لهم، خرج الخبراء على المزارع وقالو له «بعد مباحثات طويلة وجدنا أن مزارعنا يديرها خبراء فلماذا لا تجرب ذلك؟» خرج المزارع مسرعاً وكتب عقداً لإدارة المزرعة براتب خيالي وسلمه للخبراء، وقعوا توقيع رجل واحد ومضوا في إدارة المزرعة، بعد أيام ماتت كل الأبقار إلا البقرة العرجاء وأتلفت المحاصيل وقدم الخبراء استقالاتهم بعد أن استلموا كامل مستحقاتهم وبقي المزارع إلى جوار البقرة العرجاء يندب حظه.
دخل ابن المزارع على والده وقال «يا أبتاه هل تسمح لي الآن بعلاج بقرتنا؟» رد المزارع غاضباً «خبراء العالم كلهم لم يقدروا على ذلك هل تظن أنك أفضل منهم! أرني ماذا ستفعل!» خرج الولد إلى المنحلة أخذ بعض العسل وعاد إلى البقرة العرجاء ودهن أرجلها بشيء من العسل وأخذ يمسح على ظهرها، «ضرب الأب كفاً بكف وعاد إلى كوخه يتأمل في مزرعته التي صارت أثراً بعد عين، أصبح الصبح وخرج المزارع إلى الحظيرة وإذا بالبقرة العرجاء تركض في الحظيرة بلا عرج، عاد المزارع راكضاً إلى أهل بيته يبشرهم ثم التفت إلى ابنه قائلاً «كيف يا بني عرفت هذا الحل وقد عجز الخبراء عنه» رد الولد «بسيطة يا والدي، أنا أعيش مع هذه الأبقار من صغري، أعرف ما تحب وما تكره، وأعرف ما ينفعها وما يضرها» أطرق المزارع مفكراً في فضيحته عند بقية المزارعين إذا عرفوا بالقصة، فقرر طرد ابنه من المزرعة وأعلن لأهل القرية أن الخبراء الأجانب عالجوا البقرة وأن ابنه قتل بقية البقر، أما الابن فحصل على وظيفة خبير في مزرعة المستشار الأول.
بطبيعة الحال هذه القصة رمزية ولا وجود للبقرة العرجاء ولا المزارع ولا ولده، ولكن مثل هذه القصة يحدث يومياً في مؤسساتنا التي أصبحت مهووسة بالخبراء الأجانب الذين يصرف عليهم الملايين بهدف إيجاد حلول لمشاكلنا، هؤلاء الخبراء يستدعون التجربة التي قدموا منها من دون استيعاب كامل لثقافة مجتمعنا أو خصوصياته؛ ولذلك نجد أن كثيراً من المشاريع التي دخلها المستشارون تأثرت سلباً، سواء في الصحة أو التعليم أو القطاعات الأخرى حاول المستشارون عابثين إيجاد الحلول عبر استنساخ ما فعلوه في ديارهم وكانت النتيجة أن المشاكل الناجمة عن عبثهم كانت أسوأ من المشاكل التي جُلبوا من أجلها، اليوم نحن بحاجة لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع التجارب التي تأتينا من الخارج، استيراد النجاح ليس حلاً فليس كل ما ينطبق على بيئة معينة يناسب البيئات الأخرى، والأدهى والأمر هو أنه في كثير من الأحيان تحاول بعض الجهات التغطية على فشل المستشارين خجلاً من الاعتراف بالخطأ.
الدول التي حققت نقلات حضارية حقيقية لم تستورد سبل النجاح، اليابان طورت أنظمتها الخاصة في الإدارة والصناعة وها هي تدرس اليوم عالمياً، الأتراك اليوم يعتمدون على جامعاتهم وكوادرهم في تطوير صناعات جديدة تركية، حتى وصلوا إلى إنتاج الطائرات، نحن اليوم بحاجة إلى أن نتعامل مع القصور في مؤسساتنا من خلال تطوير الكادر المحلي والبحث عن الحلول المنبثقة من قيمنا وثقافتنا وتجربتنا، وإلا فسينتهي بنا الحال كما انتهى بالمزارع، نقتل البقر ونبقي على الخلل.?

[email protected]
? @majedalansari
التعليقات

بواسطة : ابو محمد

الثلاثاء، 28 أبريل 2015 10:47 م

لا فض فوك

بواسطة : عبدالعزيز الخالدي

الأربعاء، 29 أبريل 2015 07:05 ص

ابدعت ياماجد، كفيت ووفيت

بواسطة : محسن الهاجري

الأربعاء، 29 أبريل 2015 09:44 ص

مازال قلمك الرائع يغذينا بالمزيد من الإبداع والتفكير الإيجابي ويدعو للنهضة والارتقاء في عالم الأفكار والأخلاق.. بوركت وسلمت يداك يا ماجد.. ونفع الله بك يا أبومحمد

بواسطة : ام جابر

الخميس، 30 أبريل 2015 07:17 م

معاك حق ابنائي في اشغالهم يعانون ذلك فهم طاقات معطله عندهم من الافكار مايجعل دولتنا الحبيبه في القمه ولكن من يترأسهم يمنعهم من التطوير والابتكار بحجه وجود خبراء وفي الغالب تفشل الاداره او المؤسسه وخوفاً من ان يتولى المنصب من اهل البلد .

بواسطة : نواف السراء

الأربعاء، 06 مايو 2015 10:34 ص

رائع وفي الصميم أستاذ ماجد. قرأت لمالك بن نبي رحمه الله كلاماً حول هذا الموضوع في كتابه (مشكلات الثقافة) وهذا شئ منه: - فاعلية الفكرة رهن بشروط نفسية واجتماعية تتنوع بتنوع الزمان والمكان. - وجهات النظر المستورده لا يمكن أن تعطينا مفتاح المشكلة في البيئة العربية والإسلامية، لا لنقص في مضمونها ولكن لأنها مكتملة في فكر أصحابها فقط. - لا يمكن أن تستورد الحلول كما تستورد من الخارج قضبان الحديد أو المواد الخام. شكراً لك ولقلمك

بواسطة : محمد بن سلمان المبرزي

الخميس، 07 مايو 2015 01:46 ص

نعم هاذا حالناا فالتحطيم يدكوا ابنائنا والغرب هم قدوتنا وهذ هي هي المصيده والفشل بحد ذاته

بواسطة : علي مرزا

الخميس، 07 مايو 2015 09:17 ص

ليت العقلاء يستفيدون من هذه القصة

بواسطة : منصف

الخميس، 07 مايو 2015 09:32 ص

لله درك مقال في الصميم .. تحياتي

بواسطة : ابوعبدالله

الخميس، 07 مايو 2015 04:06 م

لافوض فوك

بواسطة : ابو منصور

السبت، 09 مايو 2015 09:45 ص

صادق هذي حالنا ادخلنا الغرباء علي اعمال نحن بفضل الله تعالى بنيانها وكبرت والمرتزقة وفي النجاحات نجيب الخبراء الاجانب لا ليضيف شئ ولاكن اعتقد منا باننا مقصرين وهم سوف يزيدون نجاحنا.... الحمدالله كنت مدير شركة وكانت مبيعات اكبر من الشركات المنافسة لا لاني خبير فقط لاني ابن بلدي ويعرفون من يتعاملون معه العملاء ببساطة... والشواهد كثير.. والمطلوب الامانة في العمل...

بواسطة : ابو منصور

السبت، 09 مايو 2015 09:46 ص

صادق هذي حالنا ادخلنا الغرباء علي اعمال نحن بفضل الله تعالى بنيانها وكبرت والمرتزقة وفي النجاحات نجيب الخبراء الاجانب لا ليضيف شئ ولاكن اعتقد منا باننا مقصرين وهم سوف يزيدون نجاحنا.... الحمدالله كنت مدير شركة وكانت مبيعات اكبر من الشركات المنافسة لا لاني خبير فقط لاني ابن بلدي ويعرفون من يتعاملون معه العملاء ببساطة... والشواهد كثير.. والمطلوب الامانة في العمل...

بواسطة : محمد بن عبدالله العامري

السبت، 09 مايو 2015 01:19 م

السلام عليكم في الحقيقة أنها قصة جميلة للخلاصة المهمة. إن الاعتماد على الذات للتطوير مهم جدا وهو الأصل ولكن مع احترامي ان ما يختلف في عالمنا العربي أن البقر. تشابه علينا والكثير من الإدارات هي زعامات البقرة الرجاء نفسها و الثيران من ذوي الشهادات المزورة أو ذات المحسوبية وبالتالي فهم لا يبحثون علاج بل هم الداء نفسه لأن هدفهم البقاء السمين حتى لو ماتت جميع الأبقار وصاحب المزرعة نفسه. الزعامة البقرية غلبت على الرغبة الإنسانية ولها حليف وافيف يخيف تكاد تسقط الجدران على نفسها ومن حولها. سبحان الله كيف يشابه بعض الزعماء البقر ولكن يسمون أنفسهم مدراء ( Managers ) و لو غيرنا لكلمة ( Bigbagers) لجمعتنا بين الكلمتين العربية وترجمتها. عذرا قد يكون التعليق ساخرا أيضا ليس من القصة وكاتبها فله كل تقديري واحترامي ولكنه يسخر من واقعنا الذي لا يعرف الكثير عن الفرق بين الزعامة الأنانية دائما وبين القيادة التي لها أهداف واضحة وتعمل كفريق واحد يحترم كل. جهد وتخصص وتمشى على خطط ترضى ربها وتحقق الخير لامتها بمبدأ انت تعمل معي وليس عندي كما يفعل الزعماء ويروا الآخرين انهم عبيد عندهم.حتى في ولو كانت على المستوى الأدنى من الإدارات..

بواسطة : Ysd

السبت، 09 مايو 2015 01:36 م

نحن نستورد البقر ليكونون خبراء

بواسطة : محمد السليطي

السبت، 09 مايو 2015 04:53 م

كلام صحيح وفي الصميم لكن مع الأسف لاحياة لمن تنادي

بواسطة : ام سالم

السبت، 09 مايو 2015 05:09 م

المقال رائع جدا وعلى الجرح ان شاء الله نستفيد منه ونستوعب المشكلة التي نعاني منها ونعتمد على اولادنا ونعطيهم الثقة التي يحتاجونها والله يجزاكم كل خير

بواسطة : اسماعيل علاف

السبت، 09 مايو 2015 08:09 م

نحن خبراء في صنع المتاعب والمشاكل سواءا علي المستوي المدني او الاداري ونحن نملك الحلول ولاكن تحتاج لوقت طويل بعد ان تعقدت الدروب وكثرت السبل وأصبحنا نعد بالملايين

بواسطة : اسماعيل علاف

السبت، 09 مايو 2015 08:09 م

نحن خبراء في صنع المتاعب والمشاكل سواءا علي المستوي المدني او الاداري ونحن نملك الحلول ولاكن تحتاج لوقت طويل بعد ان تعقدت الدروب وكثرت السبل وأصبحنا نعد بالملايين

بواسطة : Prince of love

السبت، 09 مايو 2015 11:25 م

جدا رائع

بواسطة : 143

الأحد، 10 مايو 2015 12:18 ص

ماشاء الله مقال رائع جدا جدا ويستحق التمعن وكما يستحق الاخذ به كنصيحة فعلا نحن بحاجة الى اعادة النظر الى كل ماهو جديدوحديث سلمت اناملك ??

بواسطة : محمد

الأحد، 10 مايو 2015 01:04 ص

ههههههههه

اقرأ ايضا

سيناريوهات واشنطن

12 ديسمبر 2017

قمة صفر أو %100

05 ديسمبر 2017

بين المطرقة والسندان

28 نوفمبر 2017

خبر عاجل : عاجل .. #عمان تفوز على الإمارات وتتوج بكأس بطولة #خليجي_23